حوار
م
ع

هشام حراك
ياسمين صلاح الدين
خاص
هشام حراك للمجلة الأمريكية أفاق:
لو كنت ليبيا وأصدرت مجموعة (سيلان) لأعدمني القذافي
طالب الأديب والمؤسس لنادي "القصة" في المغرب هشام حراك الكتاب المغاربة باستثمار هامش الحرية والمساهمة في تشخيص الأوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية لبناء مجتمع مغربي حداثي تسوده القيم الوطنية والإنسانية. وانتقد حراك تضييق الأنظمة والحكومات العربية على حرية التعبير.
وقال حراك الذي يشغل منصب الرئيس الشرفي لمؤسسة محمد زفزاف الأدبية في المغرب إنه يمارس حقه في التعبير بحرية دون أي رقابة أو مضايقات تذكر. وأضاف "لو كنت مثلا كاتبا ليبيا وأصدرت فيها مجموعتي القصصية الجديدة (سيلان...) لكان قد أعدمني القذافي من دون أي شك".
وأشار حراك إلى أن تراجع المقروئية في العالم العربي هو نتيجة سياسات "وضيعة" انتهجتها أنظمة ديكتاتورية متسلطة بل ومجرمة في حق شعوبها. وقال "هذه الأنظمة هي سبب نكبة القراءة التي باتت تعيشها معظم المجتمعات العربية.. هذه الأنظمة كانت وما تزال تتوفر على كافة قنوات الإقراء من مؤسسات ثقافية وإعلامية وتعليمية".
وفيما يلي نص الحوار:
آفاق: يعيش المشهد الثقافي المغربي حراكا واضحا يصنعه الشباب الراغب في التغيير، سواء على مستوى الرواية أو القصة أو القصيدة أو البحث. كيف تقرأ ذلك كأديب مغربي؟
هشام حراك: الجيل الأدبي المغربي الجديد بصفة عامة، من ساردين وشعراء، كما أصرح بذاك دائما، جيل معظمه تائه باعتباره جيل الخيبات والانتكاسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية الكبرى إن محليا أو إقليميا أو دوليا، وأنا أقصد هنا بالتحديد جبل التسعينيات المخضرم بين الألفيتين المنصرمة والحالية..
الجيل الأدبي المغربي الجديد، وباستثناء أقلية قليلة جدا، جيل يعيش الإحباط واليأس والتيه، وهو ما انعكس سلبا على كتاباته حيث الدعوة صارت مركزة على الانكفاء على الذات كما لو أن العالم الخارجي المحيط به والذي يفعل فيه فعله أحب أم كره لم يعد يعنيه بالمرة.. جيل سلبي لا يؤثر في مجريات الأمور فبالأحرى أن يساهم من جهته في هذا التغيير الذي تسألينني عنه..
لكن في مقابل هذه الغالبية السلبية توجد أقلية أدبية رائعة بالمغرب ما تزال تؤمن بجدوى الكتابة وبجدوى الاحتراق بنار الكتابة وهي - مع الأسف الشديد - تعاني من حصار إعلامي خطير من طرف تلك القوى السياسية التي كانت تمثل بالأمس القريب ملاذ المثقفين بشكل عام وأنا أقصد هنا طبعا ما كان يسمى بالمعارضة وإن كنت أستثني قوى قليلة تشكل أقلية صغيرة لعدم انتشار الوعي السياسي لدى غالبية المغاربة ولانتشار الجهل والفقر كخصمين خطيرين ليس للديمقراطية فحسب بل وللحداثة بشكل عام..
وشخصيا أومن بأن القارئ المغربي اليوم، على نذرته الواضحة للعيان، قارئ لبيب وفطن وهو يعرف من الكتاب أقرب إليه ومن منهم أبعد عنه حد الوصولية.
آفاق: نعم.. لكن هنالك في الجهة الأخرى تحدي آخر تصنعه آليات شبه رسمية تحاول أن تشيع ثقافة " الانضباط" التي تعني الحد من الحريات. ما رأيك؟
هشام حراك: الطامة الكبرى أنها ليست جهات رسمية (الجهات الرسمية كانت دائما تتلخص في القصر الملكي ) وإنما تتوهم أنها صارت كذلك، والمفارقة الكبرى هي أن الجهات الرسمية، ومنذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الملك، وهي تتبنى خطابا يبدو حداثيا يتماشى وطموحات هذا الجيل، وهو خطاب، وكما هو ملاحظ يطبق إلى حد الآن على أرض الواقع، ويمكن أن أستشهد هنا على سبيل المثال بمدونة الأسرة وبما جاءت به من مكاسب مهمة للمرأة المغربية، وبالديمقراطية إذ لأول مرة بتنا في المغرب نلمس حياد الإدارة وعدم تدخلها في إرادة الناخبين، وانتعاش الحريات العامة وإن كنت لا أزعم هنا أنها انتعشت بشكل كبير للغاية إذ ظهرت صحافة مستقلة حقيقية (المساء والأيام ونيشان مثلا) ...
لكن المشكل الذي صار مطروحا في مقابل هذا التوجه الرسمي إن أحببنا تسميته، فالملاحظ أن تلك القوى التي حدثتك عنها في معرض إجابتي السابقة عوض أن تستثمر هذا المناخ الجديد وتلعب دورها كما ينبغي خصوصا على مستوى كافة واجهات المجتمع المدني الذي تتوفر فيه على جمعيات ثقافية وحقوقية واجتماعية كبرى وذات إمكانيات مالية ولوجستيكية غنية في الأهمية، الخ، لبناء المجتمع الحداثي الديمقراطي نجدها باتت تعرف صراعات داخلية لا مبرر لها حيث كثرت الانقسامات والانشقاقات ما أدى إلى مزيد من النفور من طرف المغاربة وبالتالي إلى فقدان المصداقية السياسية بشكل عام وهنا يكمن الخطر الذي أدق ناقوسه دوما سواء من خلال تصريحاتي الصحفية أو من خلال كتاباتي السردية بشكل عام.
آفاق: هل تعتبر أن المثقف المغربي يحظى بحرية التطرق إلى مواضيع محظورة سياسية أو دينية مثلا؟
هشام حراك: المثقف المغربي اليوم، عكس المثقف المغربي سنوات الستينيات والسبعينيات من الألفية المنصرمة، وفي الوقت الذي بدأت تنتعش فيه الحريات العامة تراجع في معظمه إلى الوراء إما عن يأس وإحباط مرضيين فظيعين أو عن وصولية ذميمة وحقيرة مكشوفة للعيان..
شخصيا أكتب وفق رؤاي وقناعاتي وتصوراتي دون ممارسة أية رقابة وكيفما كانت على نفسي وأنشر وأوزع ما أكتبه دون أية مضايقات تذكر.. لقد زرت عدة دول عربية بمناسبات ثقافية والتقيت كتابا عربا من مختلف الأقطار العربية الذين يغبطوننا كأدباء ومثقفين مغاربة على هذا الهامش من الحرية، وقد قالها لي ذات زيارة لي في بيتي بمدينة سلا الجديدة الصديق العزيز والشاعر السعودي المتميز صالح الحربي: قال لي بالحرف: أنتم المغاربة بتم تتوفرون على هامش مهم من حرية التعبير لا تتوفر عليه كل الدول العربية عليكم أن تستغلوه للكتابة دون أية رقابة ذاتية تذكر..
وأنا بدوري، ولكي أقربك أكثر مما أرغب توضيحه في هذا السياق، أقولها وباقتناع تام: لو كنت مثلا كاتبا ليبيا (وأنا زرت ليبيا عدة مرات وتجولتها بالشكل الكافي) ولو كنت قد أصدرت فيها مجموعتي القصصية الجديدة (سيلان...) لكان قد أعدمني القذافي من دون أي شك..
على الكتاب المغاربة أن يستثمروا هذا الهامش المهم في نظري ليساهموا بكتاباتهم في تشخيص الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية وحتى الجنسية لأجل الإسهام من موقعهم الأدبي في بناء مجتمع مغربي حداثي تسوده القيم الوطنية والإنسانية ويسوده العيش الكريم.
آفاق: تعرضت الكاتبة المغربية منى وفيق لحملة شنتها منتديات مغربية ضدها بسبب اتهامها بالتطاول على الذات الإلهية، ألا يعني هذا أن المثقف المغربي يجابه أيضا محاكم التفتيش الدينية بشكل أو بآخر؟
هشام حراك: القاصة منى وفيق لا تربطني بها أية علاقة شخصية إذ لم يسبق لنا أن التقينا البتة، لكنني في مقابل ذلك أتابع ومنذ زمان كتاباتها الجيدة بكثير من التقدير خصوصا عبر المواقع الثقافية الالكترونية كما توصلت منها عبر البريد بمجموعة قصصية في غاية الأناقة الإبداعية الفنية، كذلك اطلعت على مجموعة من مواقفها الشجاعة والمشرفة للقصة المغربية عبر بعض الحوارات الصحفية..
وبخصوص ما تعرضت له برفقة ناشر أردني فقد انتهى إلى علمي أن ذلك حصل في الأردن من طرف محاكم التفتيش التي باتت منتشرة بشكل فظيع في تلك المنطقة والتي باتت تتهدد كافة المبدعين والمثقفين العرب من الخليج إلى المحيط، وأنا ككاتب مغربي أدين مثل هذه السلوكات الشاذة من طرف قوى الكبت والظلام وهذا ما أخشى أن يصل إليه المغرب والأدباء المغاربة داخل بلدهم المعروف تاريخيا بقيمة التسامح وبالحوار بسبب الوصولية التي انتشرت لدى العديد من الأوساط الثقافية والسياسية وهي الوصولية التي تفقد النخب مصداقيتها أمام الرأي العام ما يشرع الباب واسعا.
أما انتشار التطرف ومحاكم التفتيش وإن اختلفت أشكالها. تاريخ الأدب الإبداع الأدبي (والثقافي بشكل عام) بالمغرب مرتبط أساسا بنضالات السياسي في مراحل معينة وهي النضالات التي ساهمت بقسط وفير في الانتعاشة التي بتنا نعيشها اليوم في المغرب فيما يتعلق بالحريات العامة..
وبخصوص المغرب الحديث، أي مغرب ما بات يعرف بما بعد الاستقلال ومغرب بناء الدولة الحديثة تعرض فيه المثقفون، وتحديدا مثقفوا اليسار، إلى كافة أشكال التعتيم والتضييق والمنع (الخبز الحافي لمحمد شكري مثلا)، بل والاعتقال والنفي أحيانا مثلما هي حالة الشاعر المغربي الكبير (وهو ما يزال حيا بيننا) عبد اللطيف اللعبي وحالة الروائي الكبير (وهو أيضا ما يزال حيا بيننا) عبد القادر الشاوي الذي أرخ - روائيا - لمرحلة الاعتقال السياسي على عهد الاستقلال من خلال روايته / سيرته الذاتية (كان وأخواتها) والتي ما زالت حية ترزق إلى يومنا هذا.. وهذا ما لا يريد أن تفهمه تلك الفئة التي حدثتك عنها في معرض إجابتي عن سؤالك الأول من أدباء الجيل الجديد إما عن سذاجة أو عن وصولية فظيعة وحقيرة.
آفاق: لنعد إليك. أنت قاص، تبدو عوالمك الإبداعية أشبه بمطالب أدبية لقضايا إنسانية منها الحرية والكرامة والخبز. هل تعتبر أنها القضية الأهم التي تدافع عنها أدبيا؟
هشام حراك: هذا الأمر حاصل فعلا في مجموعتي القصصية البكر (السوق اليومي) (صدرت طبعتها الأولى سنة 1998) وفي مسرحبتي (الانتظار) الحائزة على جائزة اتحاد كتاب المغرب سنة 2002..
أتفق معك أن كتاباتي من خلال هاذين العملين تحديدا تصبان، وفي قالب سردي فني ) في صميم معاناة الإنسان المغربي في إطار صراعه مع الخبز، وتحديدا الإنسان المغربي الذي شيء له من طرف "قوى" مستغلة ناهبة كانت تأتي في مرحلتها على الأخضر واليابس من الثروة الوطنية المشتركة..
قلت إنها تصب في صميم معاناة الإنسان المغربي الذي شيء له أن يكون مهمشا يعيش على فتات الهامش.. أقصد تلك الفئة من الناس الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، وأنا هنا حريص على تسميتها بفئة وليس بطبقة لأنه لكي تكون طبقة لا بد لها من نقابة أو حزب يؤطران الدفاع عنها سواء عن طريق الإضراب بالشارع العام والذي يعد حقا مضمونا يكفله الدستور المغربي أو عن طريق البرلمان..
ليس لهذه الفئة أية هوية طبقية.. إنها فئة تتشكل من العاطلين وماسحي الأحذية وبائعي السجائر بالتقسيط والعاطلين والنشالين والعاهرات والقوادين والمجانين، الخ... ليس لهده الفئة أي صوت نقابي يؤطر الدفاع عنها في الشارع ولا حزبي يؤطر الدفاع عنها في البرلمان والمجالس المنتخبة.. هي فئة بلا هوية طبقية.. أنها فئة سائبة وهنا يكمن الخطر إن هي استثمرت لا قدر الله بشكل من الأشكال سواء من طرف قوى التطرف أو عصابات الإجرام.
آفاق: ما الذي يخيف هشام حراك كمبدع وكإنسان؟
هشام حراك: ما يخيفني على المستويين معا استثمار فئة المهمشين إن من طرف قوى التهريب والإجرام (هجرة سرية، مخدرات، دعارة مقننة، الخ..) أو من طرف قوى التطرف بكل أشكاله.. وما يخيفني أكثر هو أن تتطور الأمور يوما ما إلى حدود الطوفان، ولحظتها لن يكون أمامي، شخصيا، بعد أن أكون قد قلت كلمتي طبعا، سوى أن آوي إلى ذاك الجبل خشية أن يجرفني الطوفان خصوصا وأن سفينة نوح لم يعد لها اليوم أي أثر.
آفاق: ألا تخاف أيضا من تراجع المقروئية في العالم العربي بشكل خطير؟
هشام حراك: تراجع المقروئية في العالم العربي هو سبب رئيسي وجوهري من أسباب ما نعيشه اليوم من أوضاع ثقافية وسياسية أيضا، وهو نتيجة سياسات وضيعة انتهجتها أنظمة ديكتاتورية متسلطة بل ومجرمة في حق شعوبها في بعض الأحيان.. هذه الأنظمة هي سبب نكبة القراءة التي باتت تعيشها معظم المجتمعات العربية.. هذه الأنظمة كانت وما تزال تتوفر على كافة قنوات الإقراء من مؤسسات ثقافية وإعلامية وتعليمية..
آفاق: ما هي أسباب إحجام القارئ على انتقاء الكتاب في عالمنا اليوم؟ هل سببه وجود الانترنت أم غياب الوقت؟ أم غلاء سعر الكتاب؟ أم ماذا؟
هشام حراك: لا أعتقد أن للجيب علاقة بذلك. أعرف الكثير من الشباب الذين يفضلون اقتناء علبة مارلبورو وقنينة ويسكي عوض اقتناء ثلاثة أو أربعة كتب.. لا.. لا أعتقد أن الأمر كذلك.. خذي عندك مثلا أجيال الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات... كانت أجيالا قريئة رغم قلة ذات الجيب حيث كانت الغالبية العظمى تعاني الفقر باعتبارها الأجيال التي جاءت مباشرة بعد خروج المستعمر وحيث الدولة ما تزال في طور البناء الاقتصادي على وجه الخصوص.. مع الأسف هاته الظاهرة الجميلة بدأت في الانقراض مباشرة بعد انتهاء العقد الثمانيني من الألفية المنصرمة ليظهر جيل جديد مريض يعتقد أن الأهم في الحياة هو اللهو والجنس والإدمان على كل أشكال المخدرات وقضاء معظم الأوقات أمام الماسنجر لرؤية الأفخاذ والفروج والقضبان.. جيل ينذر حقا بالكارثة العظمى ما لم يتم تدارك الأمر ( والوقت في نظري ما يزال يسمح بذلك ) من طرف من "يهمهم" الأمر ..
آفاق: من مِن الأسماء الأدبية في المغرب العربي التي يقرأ لهم هشام حراك؟
هشام حراك: الروائيون المغاربيون بصفة عامة كتبوا روايات رائعة ولن تكون إلا خالدة، منها روايات ترجمت إلى لغات عدة بل ومنها روايات تدرس في جامعات أوربية وأمريكية كبرى: لنا على سبيل المثال إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه في ليبيا وحسونة المصباحي في تونس والطاهر وطار وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي في الجزائر ومحمد زفزاف ومحمد شكري ومحمد خير الدين وإدريس الخوري ومحمد برادة في المغرب، وهناك جيل صاعد رائع هو الآخر وسيقول كلمته في المستقبل القريب بكل تأكيد.
آفاق: هنالك السؤال الذي أنهي به حواراتي دائما وهو: من هو هشام حراك؟
هشام حراك: من يكون.. مجرد ذرة من ملايير الذرات البشرية التي تملأ هذا العالم الصاخب الغبي والمسعور.










