شرفات الشاعر عبد السلام مصباح
فضاء تحلق فيه حروفي وامارس شغبي
الصورة والتشكيل في الموسيقى الأندلسية لسعاد أنقار

الصورة و التشكيل الموسيقي

في

الموشحات الأندلسية

 

بقلـــم

د. سعاد أنقار

  

      نوقشت مؤخرا بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بتطوان، أطروحة لنيل الدكتوراة في الأدب العربي أعدتها الطالبة سعاد أنقار في موضوع “الصورة والتشكيل الموسيقي في الموشحات الأندلسية“. وقد تكونت لجنة المناقشة من د.ميلودة الشرويطي (مشرفة) ود.عبد الله الترغي (رئيسا) ، ود.عبد المالك الشامي (عضوا)، ود.عبد الله كنون الحسني (عضوا).و قد منحت اللجنة العلمية شهادة الدكتوراة للطالبة بميزة مشرف جدا. و فيما يأتي نص التقرير النقدي الذي ألقته الطالبة أمام تلك اللجنة:

       يطرح الموشح الأندلسي إشكالاتٍ عويصةً سواء نُظر إليه فـي حد ذاته ، أو باعتبار علاقاته مع أشكال شـعرية وموسيقية أخـرى. وبـعد تأمل طويل في طبيعة تلك الإشكالات واحـتكاكٍ مستمر بنصـوص الموشحات و الآراء النـقدية المقترحة من لدن الباحـثين، أمكنني أن أحاصر التصـور الـذي صدرت عنه في هذه الأطروحة باعـتماد جملة من الأسئلة الجنينية ألخصها فيما يـأتي:

 

* ما الموشح؟ و كيف ينبني؟.

* أهو نوع شعري أم موسيقي؟.

* ما طبيعة صوره وتشكيلاته؟.

 

       لقـد كانت هذه الأسئلة الثلاثة بمـنزلة النواةِ الأولى لبداية مغامرة هـذا البحث، ثم تطورت الأسئلة شيئا فشيئا حتى اتخذت صيغة إشكالاتٍ جمالية كـبرى، خاصة عندما ربطتُ نوعنا الـغنائي المعنيَّ بالدراسة بإشكالي » الصورة «و» التشـكيل «فكان أن اتسعت دائرة تساؤلاتي و اتخذت من جديد الصيغ الآتيـة:

 

* هل تنحصر نصوص الموشح في إطار أبواب بلاغتنا العربية القديمة أم تنفتح عـلى صيغ تصويرية مخالفة؟.

* كيف يوَلِّف الموشح بين الشعر والموسيقـى بوصفها فنا آليا حتى يبدو الاثنان منسجمين في صورة واحدة؟.

* ما هو أثر الموسيقى في الموشح المغنىّ؟ وهل تضيف الموسيقى إلى شكله الشعري صورا بلاغية وإنسانية أخرى؟.

 

        وتأسيسا على ما سبق اقتضت مني الإجابة عن جل هذه الأسئلة تشغيلَ مصطلحي » الصـورة«و» التشـكيل«اللذين رافقاني فـي معظم أبواب هذه الأطروحة وفـصولِها بوصفهما المفتاحـين اللذين ساعداني عـلى معالجة الإشكالات المتـصلة بالموشـح. فإذا كانت» الصـورة الشعرية « في الشعر بصفة عامة تتشكل بالأسـاس من أدوات لغـوية و أساليبَ بلاغيةٍ و دلالات، فإنني أتساءل عـن خصوصية ذلك التشـكيل في الموشح عندما يقرن بالمـوسيقى، وكيف يشكل الوشَّاح تـلك الصورةَ موسيقيا مستـعينا في ذلك بعلم الموسيقى و أدواتها الفـنية بوعي منه أو من دون وعي. وفـي هذا الإطار جاءت الـصورة التي أروم البحث عنها جامعة بـين تشكيل أدوات لغة الشعر، وتشـكيل أساليب الموسيقى. إنهـا صورة توشيـحية منفتحة على آفـاقَ فنيةٍ أرحـب .

        وفـي هذا السياق لابد أن أثير مـسألة المنهج الذي اعتمدته على الخـصوص في معالجة النصوص الشعرية و مـقاربتها. فمادامت «الصورة» هي الـبوْصلةُ التي اهتديت بهـا عبر مختلف أبواب هـذه الأطروحة و فصولها، ارتأيت أن أعتمد في عملي علـى خطة بلاغية توخيت مـن خلالها النظر إلى النصوص فـي تشكلاتها الأسلوبية والتـصويرية والبنائية. بصيغة أخـرى أقول إنني قد اعتمدت البلاغة خـطةَ عملٍ مـن حيث هي وسيلة تهدي إلى مـعاينة الصيغ الجمالية للموشحات و طرائق تـشكيلها. صحيح أن البلاغة في حد ذاتها ليست منهجا لكن مقولاتِها تستطيع أن تكيف أيـةَ خطةٍ نقديةٍ ترتئي أن النصوص الأندلسية المعالَجـة قد هيمنت فيها هيمنةً صريحة مظـاهرُ الصنعة البادية والبنياتُ المتشـاكلة والتنسيق المتقـابل. ذاك ما نقصده منهجيا “بتكييف” الصيغ الجمالية للإطار البلاغي المنتقى . والواقع أنني فضـلت هذه الخطة عـلى غيرها نظرا إلى الطبيعة الفنية للموشحات نفـسها؛ إذ لا أحد يجادل في أن هذا النمط الشـعريَّ يتوخى بالأساس أفانين الصـنعة و ألوانَ التزيين والتحلية قـبل غيرها من أساليب البلاغة، لذلك كـان اختيـاري للنهج البلاغي الرحب في معالجة النصوص نابعا مـن طبيعة المادة الأدبية التي اشتغلت بهـا.

       لقد اكتشفت في خاتمة المطاف أن لحظات الاستمتاع و أحلامَ اليقظة التي عشتها مع الموشحات الأندلسية لم تكن في واقع الأمر إلا » صورا « فنية تشكلت من أدوات لغتنا الطبيعية أحيانا، وأحيانا أخرى من أدوات موسيقية مخصوصة. ولعل الاكتشاف النقدي والجمالي الذي وصلت إليه بعد هذه المرحلة العلمية الشاقة والممتعة في نفس الآن يتجلى في كون الموسيقى كانت حاضرة و بقوة في كثير من» صور «الموشحات الشعرية التي عالجتها مما جعلني أفترض أن الوشاح بدوره كان واعيا إلى حد كبير بأمور الموسيقى وقواعدها، أو على الأقل كان متذوقا و مستمعا جيدا لها. و قد كان افتراضي الفني هذا نتيجة اطلاعي على كثير من النصوص التاريخية التي أشارت إلى مكانة الموسيقى وأهميتها في حياة الأندلسيين بصفة عامة.

         وما من شك في أن قارئ هذا العمل الأكاديمي لا بد أن يكون قد انتبه إلى أن الجرد التاريخي في حد ذاته لم يكن غايتي، بقدر ما كنت أتوخى استثمارَ معطياته لاستكناه طبيعة الصور التوشيحية و النفاذ إلى أغوارها. فالصورة في الموشح الأندلسي كون جمالي يثير المتلقي ويدفعه دفعا إلى تأمل شبكة الخطوط الذاتية والاجتماعية والتاريخية المتداخلة فيها. إنها تشكيل فني استوعب ببراعة خاصةٍ اللحظة المعرفية و الثقافية التي وجدتْ خلالها.

       كما أنني لا أشك، من ناحية ثانية في أن قارئ هذه الأطروحة لا بد أن يلاحظ أن انطلاقتي من أول فصولها كانت انطلاقة جامعة بين مقولات جنسي الشعر والموسيقى. ومن هنا نبعت ضرورة استغلالِ مفاهيمَ ومصطلحاتٍ موسيقيةٍ من أجل قراءة نوع غنائي من هذا القبيل الغنائي. وقد أفضت بي هذه الدراسة المقارِنة إلى استنتاج أن عديدا من المصطلحات الموسيقية تتشابك و تتقاطع مع نظيراتها الشعرية، بل إن كثيرا منها يصلح لشرح صور معينة من الموشحات و توضيحها.

       وكان من نتائج هذه الدراسة التطبيقية المقارِنة توكيدُ الطبيعة الخيالية لهذا النوع الأدبي. ذلك أنه على عكس كثير من الآراء التي نفت عن الموشحات طابعها الخيالي العميق الذي كان قد وسم فيما سبق النوع الشعري المعروف بالقصيدة؛ فقد حاولت في بحثي الابتعاد قدر الإمكان عن أحكام المفاضلة و الوقوف بدلا من ذلك على الموشح من حيث هو نوع غنائي قائم بذاته، متميز بخصوصياته وسماته النوعية بما فيها عنصر الخيال. و رأيت كذلك أن العمق الجمالي للموشح قد لا يتماثل مع الطوابع الفنية للقصيدة ولا مع غيرها من الأنواع الشعرية الأخرى وإنما يمتح أخيلته و صوره الخاصة من تفاصيلَ حياتيةٍ و إنسانيةٍ مغايرة.

        وانطلاقا من هذا الأفق الجمالي المخصوص بدا لي أن الوشّاح يشكل صوره تشكيلا ولا يرسلها على عواهنها. كما استنتجت من الناحية الفنية أن تشكيله هذا لم ينحصر في أدوات اللغة” المقروءة” أو الموسيقى” المسموعة” وإنما استغل ما كانت تراه العين من تشكيلات خطية مختلفة، و طرقٍ متباينة في كتابة الموشح الواحد على الصفحة. أما نتيجة كل ذلك فقد تجلت في كون الموشح الأندلسي شكَّل صورَه تشكيلا منفتحا مادامت لغة الموسيقى لا تنحصر بدورها في إطار معنى وحيد و إنما تحتمل معاني و دلالات متعددة، ومادام التشكيل الخطي للموشحات على الصفحة لا يقف كذلك عند رؤية الوشاح و حده و إنما يمتد بعده إلى الناسخ، ثم إلى الناشر في عصرنا الحالي. ولقد استنتجت من خلال كل ذلك أن “الصورة التوشيحية” تشكيل فني تسهم في تكوينه فئةُ عريضة من الجمهور، والموسيقيين، والقراء،و المستمعين، والناشرين، والنساخ، والمغنين، والجوقة، وغيرهم. لكل ذلك رأيت كيف حققت الصورة في الموشح وظيفة “تواصلية” اعتمدت على التفاعل بين الوشاح والنص و المتلقي. وقد لمست أن تداول الموشحات بهذه الطريقة لم يبقها منحصرة في المجالات و الموضوعات المتعالية، وإنما أنزلها إلى أرض الواقع و إلى الميدان التداولي الفسيح.

       وفي سياق مواجهتي لنصوص توشيحية متعددة مواجهة بلاغية استخلصت كمَّا من“السمات” المتباينة التي تبتغي “التزيين”، و“التعدد”، و“التقابل”، و“البساطة”، و“السهولة”، و”التنويع”،و”التحول”، والميول إلى “الشعبية”، والطوابع “الرومانسية”…ومن خلال اعتمادي جل هذه السمات لاحظت أن بلاغة الموشح وطبيعةَ خطابه الشعري لم يعتمدا بكيفية مطلقة على “أبواب” بلاغتنا القديمة، وإنما استمدا أساليبهما التعبيرية من طبيعة الموضوعات الغنائية التي يخوض فيها الوشاح، ومن ثقافة المجتمع الذي وجهت إليه. و قد أفضى بي استغلال “السمات” في تأمل و تحليل عدد من الموشحات الأندلسية إلى استخلاص أن هذه النصوص قد تميزت في كثير من الأحيان بالتغيير، والتحول، و الانفتاح على طرائق أسلوبية متباينة اقتضتها مقاماتٌ بلاغية وتداولية مخصوصة.

        لكن هذا الاستنتاج البلاغي المنفتحَ لم يقف عند حدود التأمل فحسب، وإنما درست عمليا في كثير من مراحل البحث كيفية تشغيل الموشحات أساليبَ بديعيةٍ مختلفة. وقد قادني هذا التوجه البلاغي إلى استخلاص وظائفَ جماليةٍ و حيوية؛ منها تكرار موسيقى اللغة، والتنبيهُ إلى الأهمية الجمالية التي تلف شكل الموشحات جراء تشغيلها لهذه الأساليب، وكذا استثارتُها المعانيَ الشعرية ودفعَ المتلقي إلى التفكير في ماهية المقابلة بين الحروف و العبارات، والتأمل في طبيعة التوزيع النغمي الذي تسلكه.

          وما من شك في أن مجموع النتائج النقدية التي عرضتها في هذا المقام من شأنها أن تزيد الافتراض النقدي الأساس لهذه الأطروحة توضيحا و تحديدا. ذلك أنني اعتبرت الموشحات طوال هذا البحث نوعا من الشعر الغنائي الذي “يتشكل” من أساليبَ منفتحةٍ و مخصوصةٍ و يستمد جمالياتِه و مكوناتِه التصويريةَ من فني الشعر والموسيقى استمدادا مزدوجا و معقدا في نفس الآن..إن الموشح الأندلسي إفراز طبيعي لسياقاته الاجتماعية و الثقافية و البيئية و حتى الحضارية ، ومن البين أن تلك السياقات المتباينةَ الألوان و المشاربِ قد أسهمت إلى حد كبير في تشكيله و تكوينه. أما الجهد الذي بذلته في هذا العمل الجامعي فقد تمثل في تشريح الطبيعة المنفتحة و المعقدة في وقت واحد لهذا اللون التعبيري. و أملي في خاتمة المطاف أن أكون قد وُفقت في الإحاطة بأهم الإشكالات التي قمت بإثارتها في هذا البحث. كما آمل أيضا أن أكون قد أفلحت في إثارة الانتباه إلى نوع غنائي أصيل لا تُعطى له في أيامنا هذه المساحاتُ الكافية من أجل تداوله في المحافل و المناسبات، بقدر ما تتاح الفرص الواسعة لأنواع غنائية مبتذلةٍ أقلَّ قيمةً و أصالة من حيث شعرُها و موسيقاها.

 

و الله المـوفق

و

الـسلام.

 

 

 

لجنــة المناقشـــة

د.ميلودة الشرويطي (مشرفة) ود.عبد الله الترغي (رئيسا) ، ود.عبد المالك الشامي (عضوا)، ود.عبد الله كنون الحسني (عضوا).

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية